المقريزي
361
المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )
مصر خرّبوا هناك قرى عديدة ، وكانت فراعنة مصر تغزوهم وتوادعهم أحيانا لحاجتهم إلى المعادن ، وكذلك الروم لما أن ملكوا مصر ، ولهم في المعادن آثار مشهورة ، وكان أصحابهم بها وقد فتحت مصر . قال عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم : وتجمع لعبد اللّه بن سعد بن أبي سرح ، في انصرافه من النوبة على شاطىء النيل البجة ، فسأل عن شأنهم ؟ فأخبر : أن ليس لهم ملك يرجعون إليه ، فهان عليه أمرهم ، وتركهم ، فلم يكن لهم عقد ولا صلح ، وكان أوّل من هادنهم عبيد اللّه بن الحبحاب السلوليّ ، ويذكر أنه وجد في كتاب ابن الحبحاب ، لهم ثلاثمائة بكر في كل عام حين ينزلون الريف مجتازين تجارا غير مقيمين على أن لا يقتلوا مسلما ، ولا ذميّا ، فإن قتلاه فلا عهد لهم ، ولا يؤوا عبيد المسلمين ، وأن يردّوا آبقيهم إذا وقعوا إليهم . ويقال : إنهم كانوا يؤاخذون بهذا وبكل شاة أخذها البجاوي فعليه أربعة دنانير ، وللبقرة عشرة ، وكان وكيلهم مقيما بالريف رهينة بيد المسلمين ، ثم كثر المسلمون في المعدن فخالطوهم وتزوّجوا فيهم ، وأسلم كثير من الجنس المعروف بالحدارب إسلاما ضعيفا ، وهم شوكة القوم ، ووجوههم ، وهم مما يلي مصر من أوّل حدّهم إلى العلاقي ، وعيذاب المعبر منه إلى جدّة وما وراء ذلك ، ومنهم جنس آخر يعرفون بالرنافج هم أكثر عددا من الحدارب غير أنهم تبع لهم وخفراؤهم يحمونهم ويحبونهم المواشي ولكل رئيس من الحدارب ، قوم من الرنافج في حملته ، فهم كالعبيد يتوارثونهم بعد أن كانت الرنافج قديما أظهر عليهم ، ثم كثرت أذيتهم على المسلمين ، وكان ولاة أسوان من العراق ، فرفع إلى أمير المؤمنين المأمون خبرهم ، فأخرج إليهم عبد اللّه بن الجهم ، فكانت له معهم وقائع ، ثم وادعهم ، وكتب بينه وبين ركنون رئيسهم الكبير الذي يكون بقريتهم ، هجر المقدّم ذكرها كتابا نسخته : هذا كتاب ، كتبه عبد اللّه بن الجهم مولى أمير المؤمنين صاحب جيش الغزاة عامل الأمير أبي إسحاق بن أمير المؤمنين الرشيد أبقاه اللّه في شهر ربيع الأوّل سنة ست عشرة ومائتين ، لكنون بن عبد العزيز عظيم البجة بأسوان ، إنك سألتني وطلبت إليّ أن أؤمنك وأهل بلدك من البجة ، وأعقد لك ولهم أمانا عليّ ، وعلى جميع المسلمين ، فأجبتك إلى أن عقدت لك ، وعلى جميع المسلمين أمانا ما استقمت ، واستقاموا على ما أعطيتني ، وشرطت لي في كتابي هذا ، وذلك أن يكون سهل بلدك وجبلها من منتهى حدّ أسوان من أرض مصر إلى حدّ ما بين دهلك « 1 » وباضع « 2 » ملكا للمأمون عبد اللّه بن هارون أمير المؤمنين أعزه اللّه تعالى ، وأنت وجميع أهل بلدك عبيد لأمير المؤمنين إلا أنك تكون في
--> ( 1 ) دهلك : اسم أعجمي معرب وهي جزيرة في بحر اليمن بين اليمن والحبشة . ( 2 ) باضع : جزيرة في بحر اليمن وهي اليوم خراب . معجم البلدان ج 1 / 323 .